فلسفة المختبر
أيّ ظاهرة تستحق أن تُوصف، وبأيّ أسئلة نعود إليها، وما الذي ننتجه في آخر كل دراسة.
١. ما هذا المختبر
مختبر تجلّي مبادرة بحثية تدرس كيف تظهر الأشياء للإنسان — لا كيف تُقاس، ولا كيف يُقيّمها، ولا كم مرة تحدث.
اسم المختبر يحمل تعريفه: التجلّي هو الظهور، والفينومينولوجيا في أصلها اللغوي علمُ ما يظهر. ونحن نشتغل على ما يظهر للناس ولا يُسجَّل في أي مكان.
وميدان هذا العمل مفتوح بطبعه. فما دامت الخبرة تُعاش في كل موضع، فكل موضع يصلح: الشاشة والعيادة والصفّ والسوق والبيت وقاعة الانتظار. وأولى دراساتنا تقع في البيئات الرقمية لأن هناك يقع اليوم أكثر ما يُقاس وأقلّ ما يُوصف — لا لأن المختبر مختبر رقمي.
٢. القناعة المؤسِّسة
كل ما نفعله يقوم على قناعة واحدة:
الخبرة الإنسانية أوسع مما تلتقطه أدوات القياس، وما يسقط في القياس هو المعنى.
الأدوات التي نقيس بها الإنسان تعرف عنه أشياء كثيرة: كم مرة، ومتى، وكم استغرق، وأيّ درجة أعطى، وكم بلغ ضغطه ونبضه. ولا تعرف شيئاً واحداً عن كيف كان ذلك. والفجوة بين الأمرين ليست نقصاً يُسدّ بمزيد من المستشعرات أو ببند إضافي في الاستبانة؛ إنها فجوة في نوع المعرفة نفسه.
ونحن لا نقف موقفاً عدائياً من القياس ولا من التقنية. القياس ينفع فيما وُضع له، ولولا المقاييس ما قامت طبٌّ ولا هندسة. لكن حين يصير القياس هو الطريق الوحيد لمعرفة الإنسان، يصير ما لا يُقاس غيرَ موجود — ثم يصير الإنسان نفسه يفهم ذاته من خلال الصورة التي تنتجها عنه الأدوات.
المختبر موجود ليصنع الطريق الآخر: أن تُوصف الخبرة كما تُعاش، بالعربية، بضمير المتكلم، وبأدوات مبنيّة لهذا الغرض.
٣. أيّ ظاهرة تخصّنا
هذا هو السؤال الذي يحدّد ما يقبله المختبر وما يردّه. وله شقّان: هل الظاهرة قابلة للوصف الفينومينولوجي، ثم هل تستحقّه.
خمسة شروط للقبول
| الشرط | معناه |
|---|---|
| تُوصف ولا تُستنتج | يستطيع صاحبها أن يقول ما جرى له، لا أن يخمّن ما جرى في مكان آخر |
| تظهر عناصرها في ظهورها | ما يقوم عليه الأمر ليس خلفه بل فيه؛ نصل إليه بالوصف الدقيق لا بالتفسير |
| لها لحظة | يمكن تحديد متى حدثت، لأن ما لا لحظة له لا يُستحضَر |
| تصمد بعد تعليق سؤال الصدق | لا نحتاج أن نعرف هل كان الأمر حقيقياً |
| تخصّ كيف بدا الأمر لصاحبه | لا كيف كان أداء نظام أو جهاز |
والشرط الرابع أهمّها وأكثرها إساءة فهم، فأقف عنده:
حين يخبرنا شخص أن شيئاً جرى له، قد يعترض معترض: ربما كانت مصادفة، وربما كان للأمر تفسير بسيط، وربما أخطأ في التذكّر. وهذه اعتراضات صحيحة تماماً — وغير ذات صلة بعملنا.
لأننا لا ندرس ما فعله النظام ولا ما جرى في الخارج. ندرس ما جرى للإنسان. وسواء أكان الأمر مصادفةً أم استدلالاً دقيقاً، فقد وقع ما وقع، ووقع معه ما ترتّب عليه. وتعليق سؤال «هل هذا صحيح؟» ليس تهرّباً؛ إنه إجراء تأسيسي في هذا المنهج، ونتيجته أن مادّتنا لا تُنقض بأي معلومة تقنية.
والظاهرة ليست لنا إذا كانت: رأياً، أو موقفاً، أو درجة رضا، أو دعوى سببية، أو سؤالاً عن الانتشار والتكرار، أو تقويماً لفاعلية نظام. هذه أسئلة مشروعة، ولها أدواتها، وليست أدواتنا.
وشرطٌ سادس يسبقها: أن تكون عند العتبة
الشروط الخمسة تقول هل الظاهرة قابلة للوصف. ويبقى سؤال آخر أهمّ: هل تستحقّ أن تُوصف؟
فالوصف لا ينفع في كل ما يمكن وصفه. أنفع ما يكون في الأمور التي لم تتشكّل بعد: تلك التي لا اسم متداولاً لها، ولا تفسير جاهزاً يُقال عنها في المجالس.
وهذا معيار عملي لا زينة نظرية، وأثره مباشر في اختيار ما ندرسه:
- الظاهرة التي لها اسم شائع وتفسير جاهز ستعطيك التفسير بدل الوصف. يأتيك المشارك بالكلام المتداول لا بخبرته، فتسمع صدى الثقافة وتحسبه صوت الرجل.
- والظاهرة التي لا اسم لها تُجبر صاحبها على أن يصف، لأنه لا يملك ما ينوب عن الوصف.
ومن هنا قاعدة نلتزمها: كلما وجدنا للظاهرة كلاماً جاهزاً — في الإعلام أو في الحديث اليومي — ضيّقنا السؤال حتى ننزل تحت الكلام الجاهز، إلى الطبقة التي لم تُسمَّ بعد.
ولا يعني هذا أن الأمور المتداولة لا تُدرس. يعني أن ما يُدرس فيها هو ما لم يبلغه التداول.
٤. أربعة أسئلة نعود بها إلى كل تجربة
الفينومينولوجيا ليست تنظيراً يُقرأ فحسب؛ فيها ملاحظات دقيقة عن حياتنا اليومية، سجّلها فلاسفة وصفوا ما يقع لنا ونحن لا ننتبه إليه. وقد اخترنا منها أربعاً هي عدّتنا في العمل: كل بند في أدواتنا مشتقّ من واحدة منها.
ونعرضها هنا بلا مصطلحات، لأنها تنطبق على تجارب كثيرة لا على تجربة بعينها.
ماذا يحدث حين تشعر أن أحداً يراك؟
أنت منهمك في شيء، غارق فيه، لا تفكّر في هيئتك ولا في شكلك. ثم تدرك أن هناك من ينظر. في تلك الثانية يحدث شيء غريب: تكتسب صورةً عنك لا تستطيع أن تراها أنت، وتنتقل من كونك من ينظر إلى كونك ما يُنظر إليه.
وصف الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر هذه اللحظة وصفاً دقيقاً، ولاحظ فيها ملاحظة مهمة: أن الأمر قد يقع دون أن يكون هناك ناظر أصلاً — يكفي حفيف أغصان أو اهتزاز ستارة ليقع كله.
أمثلة: الطالب الذي يستقيم في جلسته حين يقف المعلّم خلفه · المريض الذي يتغيّر إحساسه بجسده حين يبدأ الطبيب فحصه · من يمحو ما كتبه في محادثة لأنه تذكّر أن الطرف الآخر رأى عبارة «يكتب الآن».
ماذا يحدث حين تتعثّر الأداة؟
القلم لا تراه وأنت تكتب؛ ترى ما تكتبه. والمقود لا تراه وأنت تقود. الأداة الناجحة أداة لا تُرى، ننظر من خلالها لا إليها.
ولا تصير مرئية إلا حين تتعطّل أو تعترض الطريق. وحينها يحدث ما هو أبعد من ظهورها هي: يضيء معها كل ما كان يعمل حولها بصمت — الشبكة والاتفاقات والترتيبات التي لم تكن تخطر ببالك.
وهذه ملاحظة مارتن هايدغر، وهي المبرّر الوحيد المشروع لتركيزنا على «اللحظة»: لا لأن التفاصيل جميلة، بل لأن ما تقوم عليه حياتنا غير مرئي بحكم اعتيادنا له، ولا يظهر لمن يعيشه إلا لحظة الانقطاع.
ولهذا نسأل دائماً عمّا كان يجري قبل. لا انقطاع بلا انسياب سابق، ومن لا يصف انهماكه لا يستطيع أن يصف انقطاعه.
أمثلة: بطاقة تُرفض أمام الصفّ عند الدفع · جهاز في غرفة المريض يبدأ بالإنذار فتنكشف فجأةً كل الترتيبات التي كانت تسير وحدها · شبكة تنقطع في منتصف جملة.
ماذا يحدث حين يصير الشيء مقابلاً لك؟
علاقتنا بالأشياء ليست واحدة. النظارة تنسحب إلى جسدك حتى تنسى أنك تلبسها. والميزان لا تنسحب إليك بل تقرؤه كما تقرأ نصّاً يخبرك عن شيء. والصرّاف الآلي شيء ثالث: تتعامل معه لا به، فيصير كأنه طرف مقابل — وهو ليس كذلك.
هذا التمييز لـدون آيد، فيلسوف التقنية الأمريكي. وأخصب ما فيه ليس التصنيف بل الانتقال بين الحالات: أن يكون الشيء ممتدّاً في يدك لا تشعر به، ثم ينقلب فجأةً فيصير مقابلاً لك.
وثمّة انقلاب ثانٍ أدقّ: أن يكون ما تقرؤه نصّاً عن العالم، ثم تجده نصّاً عنك أنت — فيصير المقروء هو القارئ. وهذا موضع لم يصنّفه آيد لأنه لم يكن موجوداً في زمنه، وهو أحد المواضع التي يمكن أن يسهم فيها المختبر.
أمثلة: أن تقول «شكراً» لمساعد صوتي ثم تلتفت إلى نفسك · أن تكلّم سيارتك حين تتعثّر في البرد · أن تقرأ تقريراً سنوياً يصف سنتك عليك.
ماذا يحدث حين يأتي القادم على غير ما كنت تنتظر؟
نحن لا نعيش اللحظة الحاضرة وحدها. في كل ثانية يحتفظ الذهن بما انقضى للتوّ، ويميل ميلاً خفيفاً نحو ما سيأتي بعد لحظة. وهذا الميل ليس تفكيراً ولا تنبؤاً؛ إنه انفتاح ضمني يجعل القادم يأتي متوقَّعاً.
سمّى إدموند هوسرل هذه الثلاثة: الاحتفاظ بما مضى، والانطباع الآن، والاستباق لما سيأتي. وسمّى ما يقع حين لا يجيء المتوقَّع: تخييب الاستباق. فحين يتحقّق ما استبقناه تنساب التجربة ولا ننتبه إلى شيء، وحين يُخيَّب ينكسر الانسياب فننتبه.
ولنا هنا إضافتان نصرّح بأنهما لنا لا له، لأن شرطهما لم يكن قائماً في زمنه:
الأولى: أن يأتي التخييب بالفائض لا بالنقص. المعتاد أن ينكسر التوقّع حين يأتي أقلّ مما انتظرت. وقد صار يقع حين يأتي أكثر — بل حين يأتي شيء لم تكن قد بدأت تنتظره أصلاً. مفاجأةٌ من نوع آخر: ليست مفاجأة الغياب، بل مفاجأة السبق.
الثانية: أن يصير مستقبلك غريباً عنك. ما يجعل المستقبل مستقبلي أنني أميل إليه؛ فحين يميل نظامٌ نحوه قبلي، لا أفقد المفاجأة وحدها — أفقد الإحساس بأنني صاحب ما سيأتي. ومن هنا ذلك الشعور المُلغز الذي يصفه الناس: أن الأمر مريح ومزعج في آنٍ واحد.
أمثلة: أن يُكمل النظام جملتك بالكلمة التي كنت ستكتبها · أن تفتح تطبيقاً فتجد في أعلاه ما جئتَ تبحث عنه · أن يقول لك من تعرفه ما كنت ستقوله في اللحظة نفسها.
٥. خريطة الفينومينولوجيا وأين نشتغل منها
الفينومينولوجيا ليست منهجاً واحداً. تفرّعت طوال قرن حتى صار من الممكن عدّها بعدد ممارسيها، لأنها فلسفة ومنهج في آن: الفلسفة تعني التفكّر الحرّ، والمنهج يرتّب قواعد لهذا التفكّر. ولذلك وُصفت بأنها «مشروع اللامشروع».
وهذه خريطة مختصرة بأصحابها، ليعرف القارئ ما يُذكر أمامه:
| التيار | سؤاله | من يُذكر فيه | مثال على بحث فيه |
|---|---|---|---|
| الوصفي | ما الذي يجتمع في التجربة كما تظهر؟ | إدموند هوسرل (Edmund Husserl)، الفيلسوف الألماني مؤسّس الفينومينولوجيا · أماديو جيورجي (Amedeo Giorgi)، عالم نفس أمريكي حوّل الوصف إلى إجراء بحثي منضبط | وصف تجربة أن يُقال لك خبرٌ سيّئ، من أوصاف عدد من الناس |
| التأويلي | ما معنى التجربة في حياة صاحبها؟ | مارتن هايدغر (Martin Heidegger)، فيلسوف ألماني · ماكس فان مانن (Max van Manen)، باحث تربوي، وأوسع من طبّق هذا التيار في التمريض والتعليم | كيف يعيش المهاجر معنى «البيت» بعد عشر سنين من الغياب |
| المتجسّد | كيف يشارك الجسد في الظهور؟ | موريس ميرلوبونتي (Maurice Merleau-Ponty)، فيلسوف فرنسي جعل الجسد مركز الإدراك | كيف تعرف يد الممرّض أن الحال تتغيّر قبل أن تقول الأجهزة شيئاً |
| ما بعد الفينومينولوجيا | كيف تتوسّط الأداة علاقتنا بالعالم؟ | دون آيد (Don Ihde)، فيلسوف تقنية أمريكي | ما الذي يجري للطبيب حين تصير الصورة الشعاعية هي المريض |
| العطاء | ما الذي يُعطى قبل أن نفهمه؟ | جان لوك ماريون (Jean-Luc Marion)، فيلسوف فرنسي | تجارب الدهشة الكبرى والفقد |
| الميكرو-فينومينولوجيا | كيف تُبطَّأ لحظة قصيرة حتى تنكشف تفاصيلها؟ | بيير فيرمرش (Pierre Vermersch)، عالم نفس فرنسي صاحب «مقابلة الاستيضاح» · كلير بتيتمنجان (Claire Petitmengin)، الباحثة التي طوّرتها إلى طريقة قائمة بذاتها | ما الذي يجري في الثواني التي تسبق خطور الفكرة |
| العصب-فينومينولوجيا | كيف يُقرن الوصف بقياس عصبي متزامن؟ | فرانسيسكو فاريلا (Francisco Varela)، عالم أعصاب وفيلسوف تشيلي | وصف لحظة الانتباه مقروناً بتخطيط دماغي |
وأين نشتغل نحن من هذه الخريطة
المختبر ليس مختبر تيار واحد، ولا يحقّ لمن يسمّي نفسه مختبر فينومينولوجيا أن يحجز لنفسه فرعاً ويترك سائرها. والتيار يُختار بحسب السؤال لا بحسب هوية الباحث — ولهذا تُكتب في صفحة كل دراسة جملة واحدة صريحة: هذه الدراسة تشتغل في تيار كذا، بأداة كذا.
ودراستنا الأولى مثال على ذلك: موضوعها ما بعد فينومينولوجي — أداةٌ تتوسّط بين الإنسان ونفسه — وأداة تحليلها وصفية، وسؤال الجسد فيها مأخوذ من التيار المتجسّد. ثلاثة تيارات في دراسة واحدة، ولا تناقض في ذلك.
وما نستطيعه اليوم أضيق ممّا نطمح إليه، والفرق سببه الإمكان لا المنهج:
- البحث التأويلي — كدراسة معنى «البيت» عند المهاجر — يحتاج مقابلات متكرّرة على شهور مع الشخص نفسه، وعلاقةَ ثقة تُبنى ببطء. وهذا زمنٌ لا نملكه في أول سنواتنا.
- البحث المتجسّد الميداني — كدراسة يد الممرّض — يحتاج ملاحظةً مصاحبة في مكان العمل، وإذناً من مؤسسة، وحضوراً لا يعطّل عملاً جارياً. وهذا وصولٌ نعمل على بنائه.
- العصب-فينومينولوجيا تحتاج مختبراً وأجهزة قياس. وهذا وحده حدٌّ لا نراه قريباً.
ما نصرّح به عن حدودنا
- لا ندّعي الحياد التام. التقويس يعزل الواقع الخارجي ولا يعزل الذات الواصفة، وهي نفسها معطى سابق على الظاهرة. والحياد الذي نلتزمه جزئي: انفتاح مستمرّ على الظاهرة، لا خلوّ من كل مسبق.
- نبلغ وصفاً جامعاً، ولا ندّعي أننا بلغنا حقيقة التجربة الأخيرة. نترك الوصف مفتوحاً لمن يضيف.
- لا نقرن الوصف بأي قياس فسيولوجي.
- وأداة العمق عندنا مقابلة استذكار موجَّه تستلهم الميكرو-فينومينولوجيا ولا تحمل اسمها. فللاسم شرطٌ معلوم عند أهله: تدريبان لا يقلّ كلٌّ منهما عن خمس وثلاثين ساعة، ثم مقابلة وتحليل يُقيَّمان، ثم عملٌ بحثي — وتصدر بها شهادة. ونحن لم نتمّ هذا المسار بعد، فلا نستعمل الاسم، ونعمل على بلوغه. وتسمية الطريقة بأكبر مما هي أسرعُ طرق إفساد الثقة بالنتيجة.
وما يُؤخذ على هذه الطريقة
الطريقة موضع نزاع منذ نشأتها، ومن حقّ القارئ أن يعرف الاعتراضات لا أن تُخفى عنه:
| الاعتراض | ما نقوله فيه |
|---|---|
| بحثٌ يقوم على تجربة شخصية لا يُعوَّل عليه | دعوانا ليست تعميماً. وصف تجربة بدقّة ليس ادّعاءً بأنها تجربة الجميع |
| تعليق الحكم التام مستحيل | مستحيلٌ فعلاً، ونحن نطلب حياداً جزئياً لا تامّاً — ونقول ذلك في كل تقرير |
| إجراؤها غامض ويتغيّر من باحث إلى آخر | صحيح، ولذلك ننشر إجراء كل دراسة بعينه قبل الجمع بدل الإحالة على «المنهج» |
| معيارها من داخل الظاهرة، وهذا لا يصلح في كل موضوع | وجيه، ولذلك نقيّد نطاق التطبيق ونصرّح بما لا تصلح له |
وأمّا استحالة الحياد التام فنعدّها نقطة قوّة لا ضعفاً: هي ما يجعل الطريقة مفتوحة، قادرة على أن تنتج طرائق لا تُحصى — أقرب إلى الأسلوب منها إلى المنهج المغلق.
٦. أمثلة على ظواهر تصلح لنا
هذه أمثلة من حقول مختلفة، تبيّن كيف نختار: تجربةٌ يستطيع صاحبها أن يصفها، ولها لحظة، ولا تملك اسماً جاهزاً يُقال بدلاً منها.
| الظاهرة | الحقل | لماذا تصلح |
|---|---|---|
| اللحظة التي يعرف فيها الممرّض أن حال المريض تتغيّر قبل أن تقول الأجهزة شيئاً | التمريض | معرفة يعرفها كثير من الممرّضين ولا يجدون لها اسماً، ولا يظهر منها شيء في أي سجلّ |
| اللحظة التي يترك فيها المتسوّق ما في يده ويخرج من المتجر | التسويق | يُقاس الترك ولا يُوصف؛ وما جرى في تلك الثانية غير مسؤول عنه أحد |
| اللحظة التي ينقطع فيها خيط الفهم عند الطالب في منتصف الدرس | التعليم | تُقاس النتيجة في آخر الفصل، واللحظة نفسها لا تدخل أي تقييم |
| اللحظة التي يسمع فيها المريض تشخيصه لأول مرة | الصحة | لها أدبيات بلغات أخرى، ولا يكاد يوجد وصفٌ عربي لها من داخلها |
| اللحظة التي يعود فيها المغترب إلى بيته فيجده غير الذي تركه | الهجرة والأسرة | يُتحدَّث عنها كثيراً بكلام جاهز، وتضييق السؤال إلى لحظة واحدة ينزل تحت ذلك الكلام |
| اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن تطبيقاً يعرف عنه ما لم يقله | البيئات الرقمية | موضوع دراستنا الأولى |
٧. مخرجات المختبر
كل دراسة يجريها المختبر — أياً كانت أداتها وأياً كان موضوعها — تُنتج المخرجات الخمسة نفسها. وهذا ما يجعل الدراسات قابلة للتراكم بدل أن تكون أعمالاً متفرقة.
| # | المخرَج | ما هو |
|---|---|---|
| ١ | المادة الموصوفة | مجموع الأوصاف كما كتبها أو قالها أصحابها، دون أسماء |
| ٢ | معجم الحالة | الألفاظ التي استعملها المشاركون أنفسهم لتسمية ما جرى لهم |
| ٣ | الوصف الجامع | وصف واحد للتجربة، مصوغ بحيث يتعرّف فيه المشارك على تجربته |
| ٤ | عناصر الظاهرة | ما لا تكون التجربة هي هي بدونه، وترتيب ظهوره |
| ٥ | ما لم تلتقطه أدوات القياس | سجلٌّ بما ظهر في الوصف ولا مقابل له في أيّ أداة تقيس هذا الميدان. المخرَج الذي يميّز هذا المختبر |
والمخرَج الخامس يتغيّر مضمونه بحسب الميدان: في دراسة رقمية هو ما لا يبلغه أيّ أثر رقمي، وفي دراسة تمريضية ما لا تبلغه شاشات المراقبة ولا سلالم الألم، وفي دراسة تسويقية ما لا تبلغه الاستبانة. وهو في كل حال صلة المختبر بسبب وجوده: كل دراسة تضيف صفحةً إلى سجلّ ما تعجز عنه أدوات القياس.
ويُرفق بها مخرجان إجرائيان: تقرير الدراسة، والأداة المستعملة منشورةً ليعيد غيرُنا استعمالها.
٨. ما لا يفعله المختبر
- لا يقيس انتشار الظواهر ولا تكرارها.
- لا يقوّم أنظمة ولا منتجات ولا يصدر توصيات لتحسينها.
- لا يبني ملفات عن أفراد ولا يعيد إليهم تحليلاً شخصياً.
- لا يفسّر سلوكاً بأسباب، ولا يدّعي علاقات سببية.
- لا يجمع بيانات لا يستطيع أن يشرح للمشارك سبب جمعها.
٩. حالة المختبر الآن
مبادرة في أولها، وهي إحدى مبادرات مؤسسة منظور للحلول المتقدمة — وتفصيل ذلك في صفحة من نحن.
ووثائقه — هذه الوثيقة، والبروتوكول البحثي، وميثاق المشاركة — نسخ تجريبية، تُراجَع بالممارسة لا بالتنظير، وستتغيّر بعد أول دراسة.
وننشرها الآن على علّتها، لأن الأداة التي لا تُستعمل لا تُصحَّح.